محمد الغزالي

294

فقه السيرة ( الغزالي )

قالت : وكان كبر ذلك عند ( عبد اللّه بن أبي ) في رجال من الخزرج ، مع الذي قال ( مسطح ) و ( حمنة بنت جحش ) وذلك أنّ أختها زينب بنت جحش كانت عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولم تكن امرأة من نسائه تناصيني في المنزلة عنده غيرها ، فأما زينب فعصمها اللّه بدينها فلم تقل إلا خيرا ، وأما ( حمنة ) فأشاعت من ذلك ما أشاعت ، تضارّني بأختها . فلما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تلك المقالة ، قال أسيد بن حضير : يا رسول اللّه ! إن يكونوا من ( الأوس ) نكفكهم ، وإن يكونوا من إخواننا ( الخزرج ) فمرنا أمرك ، فو اللّه إنّهم لأهل أن تضرب أعناقهم ، فقام ( سعد بن عبادة ) - وكان قبل ذلك يرى رجلا صالحا - فقال : كذبت لعمر اللّه ، ما تضرب أعناقهم ، إنك ما قلت هذه المقالة إلا وقد عرفت أنّهم من الخزرج ؛ ولو كانوا من قومك ما قلت هذا . فقال أسيد : كذبت لعمر اللّه ، ولكنّك منافق تجادل عن المنافقين . وتساور الناس حتى كاد يكون بين هذين الحيين شرّ ، ونزل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فدخل عليّ ، ودعا ( عليّ بن أبي طالب ) و ( أسامة بن زيد ) فاستشارهما ، فأما ( أسامة ) فأثنى خيرا ، ثم قال : يا رسول اللّه ! أهلك ، وما نعلم منهم إلا خيرا . وهذا الكذب والباطل ! . وأما ( عليّ ) فقال : يا رسول اللّه ! إنّ النساء لكثير ، وإنك لقادر على أن تستخلف ، وسل الجارية فإنّها تصدقك . فدعا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ( بريرة ) يسألها ، وقام إليها عليّ ، فضربها ضربا شديدا وهو يقول : اصدقي رسول اللّه ! فتقول : واللّه ما أعلم إلا خيرا ، وما كنت أعيب على عائشة ، إلا أنّي كنت أعجن عجيني ، فامرها أن تحفظه ، فتنام عنه فتأتي الشاة وتأكله ! ! . قلت : ثم دخل عليّ رسول اللّه ، وعندي أبواي ، وعندي امرأة من الأنصار وأنا أبكي وهي تبكي ، فجلس فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال : « يا عائشة ! إنّه قد كان ما بلغك من قول النّاس ، فاتقي اللّه ، وإن كنت قد قارفت سوا مما يقول الناس ، فتوبي إلى اللّه ، فإنّ اللّه يقبل التوبة عن عباده » . قالت : فو اللّه ، إن هو إلا أن قال لي ذلك حتى قلص دمعي ، فما أحسّ منه شيئا ، وانتظرت أبواي أن يجيبا عني فلم يتكلّما ! .